مقالات

عندما قبّلتُ يدَ “الجمري”

بقلم: صادق عبدالله

“مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” الأحزاب / 23.

كانت ليلةً حزينة، غادر شهر الله الكريم، وجاءت ليلة ثاني العيد الموحشة، ونيّتنا مبيّتة للذهاب إلى قائدنا الشجاع لتهنئته بالعيد. ركبنا السيارة وانطلقنا متجهين لبلدته “بني جمرة”، ووصلنا وكلنا شوق وحنين للأب الحنون، واستقبلنا أحد المرابطين عند منزله سماحته وقال لنا: “سلّموا على الشيخ برفق؛ فيده تؤلمه من رفعها كثيراً طوال هذا اليوم”. أقبل صاحب الهيبة، وإذا به يهلل ويرحب بنا، وهو لا يعرفنا شخصياً، وانشددنا إليه، وعندما جاء دوري للسلام عليه انقضضت على يده لأقبلها بلا شعور، ونسيت توصية الأخ.

لقد كان سماحة الشيخ الجمري فريدا في سجاياه وصفاته وملكاته، كان من المضحّين بأهله وماله وولده وصهره، كان نظام العصابة الخليفية يساومه على كرامته وكرامة الشعب، لكنه كان بصيراً، يسير بخطىً ثابتة نحو تسطير العزة والكبرياء لشعب البحرين الأبي، فكان يد الشعب التي تنادي بحقوقه، وكان الشعب يد الشيخ الباطشة بالظلم إن لزم الأمر.

أحاط الشيخ الجمري عَلَمَان جليلان، عالمان بلا عمّة، متشرعان محنكان، مضوا جميعاً في السراء والضراء، حيث كانوا يشكّلون مثالاً قيادياً لانتفاضة الكرامة، كانوا يجوبون المناطق شمالاً وجنوباً، يرشدون المنتفضين، ويوجهون الخطابات المتوازنة لبث الحماسة في نفوسهم. كان طرحهم عقلائياً غير متطرف، وطنياً غير طائفي، جامعاً غير متحزب.. وهما الأستاذان الفاضلان عبدالوهاب حسين وحسن مشيمع.

في انتفاضة الكرامة، نفذت قيادة الشيخ الجمري لعموم الساحة، بسبب صفاتٍ فريدة في شخص سماحة العلامة الشيخ عبدالأمير الجمري (رحمه الله)، فقد كان الحكيم، الشجاع، المتواضع، المرن، المنصف، وسيع الصدر، البصير. وقد أجمع عليه الشعب والنخبة المعارضة، وقدّموه ليكون رائد المسيرة وقائدها الفذ. تتبدّل الأفكار وتختلف حينما يتغيّر الوضع الميداني أو السياسي، إلا أن المبادئ لا يمكن أن تتغيّر، لذلك كان سماحة الشيخ الجمري ثابتاً إلى أن قَرُبَ رحيله عن هذه الدنيا، كان مصرّاً على أن حرية الشعب سُلِبَت من جديد، وهو إيذان بترتيب الصفوف والإعداد لحركة مطلبية جديدة.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق