البحرينالسلطة الرابعةتقارير

مخاض ولادة الجوكر الأمريكي في البحرين (١)

تنفق الدوائر الغربية الكثير من المال والإمكانات والموارد من أجل النفوذ الثقافي والسياسي في مجتمعاتنا، وبصورة هادئة وخفيّة كالسرطان الذي لاتشعر به إلا بعد انتشاره، ومن نتائجه:

أولا: تحوّل أسلوب الحياة ونمط التفكير حول القضايا والمشاكل وشؤون الحياة العامة والخاصة

ثانيا: كسر الأطر الثقافية والقيمية التي يتحرك ضمنها المجتمع

ثالثا: بروز وتصاعد مشاكل جديدة في المجتمع كتلك الموجودة في المجتمعات الغربية، مثل استهلاك الكماليات وإهمال الإنفاق على الأولويات، والاهتمام بالمصالح الفردية على حساب مصالح المجتمع، وارتفاع حالات الطلاق والعلاقات المحرّمة والتفكك الأسري، وغيرها.

رابعا: تبدل الأولويات السياسية والثقافية والاجتماعية، لدى المتأثرين ببرامج النفوذ الثقافي والسياسي.

خامسا: تفكك أواصر ضحايا المشروع الثقافي الغربي بالنخبة السياسية والدينية والثقافية المعبرة عن قيم المجتمع، وبروز مؤسسات وقدوات وقيادات جديدة مقدمة لحركات اجتماعية وسياسية جديدة تحتضن الموجة الثقافية القادمة.

إعداد المجتمع لقبول الجهود الهدّامة التي تسري بخبث وهدوء

يعمل منفذو المشروع الثقافي التدميري على تدجين وعي المجتمع لتكون جهودهم مقبولة ومبررة، ومن أساليب ذلك هو الاختباء خلف قضايا محقّة، على شاكلة “كلام حق يراد به باطل”، ومثال ذلك أحداث العراق الأخيرة التي رفعت فيها شعارات محاربة الفقر والفساد، وكانت شعارات مهمة، ولها أرضية حقيقة، لكن كان مخططو ومحركو الاحتجاجات يتخفون خلف الجماهير المظلومة والشعارات المحقة من أجل إسقاط الحشد الشعبي والمرجعية الدينية وتمكين رجالات أمريكا في كل مفاصل العملية السياسية، وهم لايعدون عن كونهم فاسدين من نوع آخر، على كل الصعد السياسية والثقافية والأمنية والاقتصادية، وسرعان ماانكشف مخطط الأمريكيين في أحداث العراق الأخيرة، فتم رفع شعار “نموت ميّة نجي ميّة ماتهمنا المرجعية”، وتم ملاحقة أبطال تحرير العراق من الإرهاب وحرق مقراتهم، واغتيال قائدي النصر سليماني والمهندس ورفاقهما، وتم إغفال الدور المفسد والراعي الحقيقي لمشروع تدمير العراق ونهب ثرواته وانتقاص سيادته، وهي أمريكا!

إذا هي عملية ومخطط يقوم فيه الذئب بحرق المزرعة فتهبّ حينها فراخ الدجاج بالهرب أو محاولة إطفاء الحريق فيحتضنها الذئب ويقنعها أن حارس المزرعة هو من قام بذلك، فيقوم بتنظيمها في حركة جديدة لمقاومة الراعي، والبقاء في ولاية الذئب وتصرّفه وقيمومته.

سنتحدث في هذا المقال عن نموذج محلي في كيفية الاختباء حول قضايا الرأي العام أو تضخيمها من أجل تنفيذ مشروع ضرب القيم وتفكيك أواصره وتبديل أولوياته… لنشد الأحزمة .

ليس إنكارا وإنما من أجل كشف حصان طراودة الثقافي

لسنا في مقام إنكار وجود حالات عديدة للانتهاكات بأصنافها المختلفة للعديد من النساء في مجتمعنا، ولسنا في مقام تبرأة المجرمين في كل ذلك، لكننا بصدد كشف اختباء المشاريع الهدّامة لضرب القيم وراء شعارات وقضايا يتعاطف معها المجتمع، وكشف حصان طروادة الثقافي الذي يعمل على النفوذ في وعينا وإدراكنا تحت يافطات برّاقة، وتبيان أن المشكلة التي نحن بصدد نقاشها هي من قبيل قصة الذئب مع فراخ الدجاج، وتقديم بدائل إصلاحية للتعامل مع المشكلات الاجتماعية التي تتعرض فيها المرأة للاعتداء أو التحرش وسائر أنواع الانتهاكات.

افتعال قضايا رأي عام

برزت على السطح في الشهور والأسابيع الماضية ظاهرة خروج العديد من الحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تتحدث عن نماذج وقصص من مظلومية المرأة في المجتمع الشرقي، والذي يرقى في الكثير من نماذجه المفترضة للإجرام الجنائي كما تسرده وتعبر عنه هذه الحسابات من قصص، وترفع هذه الحسابات قضايا وشعارات محددة، وتدعو في المجتمع لنوع محدد من الفعل تعاطيا مع القصص والنماذج المسرودة. بنظرة فاحصة وتحليلية لهذه الظاهرة يمكن أن نعرف حقيقتها، ومدى سلامة دوافعها، وأهدافها، ومن هو ورائها، وكيف يمكن أن يتعاطى معها المجتمع.

شعارات وأهداف الحملة

واحد من تلك الحسابات يتحدث بلسان فتاة من المجتمع الشيعي في البحرين، والتي تقول افتراضا أنها تعرضت للاغتصاب لسنوات من أقربائها، وتقول المتحدثة أن حياتها قد دمرت على يد المجتمع الذكوري الذي تعيش فيه والمليئ بالقيم المتحجرة، وباستعراض الحساب المذكور يجد المتابع أنه يرفع ويروّج  لجملة من القضايا التي ترفعها العديد من الجمعيات النسوية الغربية، مثل تأييد المثلية الجنسية، ورفع ولاية الأب عن ابنته وزوجته، والتمرد على قيم المجتمع الشرقي عامة والبحراني خاصة.

الإعلام الغربي ودور الرافعة للحملة

هذا الحساب على تويتر ليس ظاهرة منفصلة، بل قد تفاعلت مع القصة المفترضة فضائية BBC  العربية، بالإضافة للعديد من الحسابات على تويتر ومواقع الفضاء الافتراضي “الإنترنت” والتي تجمعها سمات محددة: سرد قصص الاضطهاد للمرأة في المجتمع الشرقي، والاغتصاب والعنف، والدعوة لرفع ولاية الرجل على بيته، والدعوة لتطبيق قانون أسرة غربي على مجتمعنا، والتبشير بالحركة النسوية المتمردة على الدين ورجال الدين وسلطة الرجل وقيم المجتمع الشرقي، حسب تعبير الحملة.

لم نذكر حكما خاصة حول هذه الظاهرة لحد الآن، وإنما نسرد في هذا المقال الحقيقة كما هي، واستعرضنا الأفكار كما هي معروضة في هذه المنصات والمواقع.

نفوذ مقلق في الوسط الشعبي والمعارض

المقلق أن بعض الشخصيات الحقوقية المعارضة وقعت في شراك الهندسة الاجتماعية والسياسية لهذه الظاهرة، أي بمعنى أن هذه الظاهرة قد استحدثت نفوذا خاصا لها في الوسط الشعبي والنخبوي الذي تنتمي له الأغلبية الشعبية و السياسية في البلاد، وهذا يفتح الباب أمام تداعيات اجتماعية وسياسية مستقبلية قد تكون متسارعة لهذه الظاهرة.

الهدف ضرب قيمنا وتحميلها المسؤولية

لن نناقش حقيقة وجود حالات وقصص ونماذج للاغتصاب والتحرش والاضطهاد للمرأة في مجتمعاتنا الشرقية، لكن هذه الحالات في أي مجتمع شرقي أو غربي قد تشكل أو تتحول لظاهرة، وقد تكون فقط عبارة عن حالات عامة هي مادون الظاهرة، وفي الواقع فإنه لاخصوصية للمجتمع الشرقي بها، فبحسب موقع شبكة RAINN  الأمريكية الرسمية المتخصصة في مكافحة الاغتصاب والتحرش فهناك أمريكي واحد يتعرض للاغتصاب أو التحرش كل 73 ثانية، كما أن هناك 433,648 ضحية سنوية للاغتصاب والتحرش في الولايات الأمريكية الخمسين. راجع الرابط التالي:

‏https://www.rainn.org/statistics/victims-sexual-violence

ويمكننا لو اتسع المقام أن نسرد أرقام صادمة ومن مصادرها الموثوقة والرسمية لحالات الاضطهاد والظلم المتنوعة للمرأة في المجتمعات الغربية والتي تتسع لتشمل التمييز في العمل، وتعرض المرأة في المحاكم للطلاق دون إنصاف لحقوقها، والبطالة والفقر دون توليد بدائل للحياة الكريمة وغير ذلك.

القيم الغربية وراء أزمة المرأة العالمية

إذا على فرض صحة اتساع الحالات التي تعرضها هذه الحسابات لقصص وقضايا الاضطهاد وتشكيلها كظاهرة عامة في مجتمعنا البحراني المحافظ فإن الإسقاط الصحيح لايكون بتحميل قيم المجتمع الشرقي هذه الظاهرة، وإلا فإن الأرقام الموثقة للاضطهاد النسوي في أمريكا باعتبارها بؤرة الليبرالية والعلمانية الغربية ورافعة راية حقوق المرأة لايستقيم مع تحميل القيم الدينية والاجتماعية الشرقية السبب.

مجتمعنا بين الماضي والحاضر

فكيف تدعو هذه الحملات الإعلامية الصاعدة والمشبوهة للانسلاخ عن قيمنا ورميها جانبا ولاعتناق القيم الغربية حول المرأة، والتي في الحقيقة والواقع هي السبب وراء مشاكل المرأة في كل العالم، حيث نفذت الثقافة الغربية حول المرأة من النوافذ المشرعة لمجتمعاتنا الشرقية ولرجالنا ولنسائنا وشبابنا وبناتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وعبر الفضائيات والإعلام المسموع والمكتوب والمرأي والهندسة الاجتماعية في المأكل والمشرب وأسلوب الحياة بشكل عام، وتسببت في تفكك الكثير من الأسر وبروز حالات التحرش والاعتداء الجنسي، وهذا مايفسر الانحسار الكبير لأي حديث عن مشاكل من هذا النوع في مجتمعنا قبل 40 إلى 50 عاما، وتصاعد الحديث عن المشاكل داخل الأسرة والمجتمع يوما بعد يوم بالتزامن مع فتح أبوابنا وحدودنا السياسية والثقافية والإعلامية والمجتمعية والأكاديمية أمام الهجمة الغربية الثقافية الشرسة.

السبب الحقيقي وراء مشاكل الأسرة والمرأة

تقييمي العام بأنه كمثل أي مجتمع في العالم أن هناك حالات عنف وتحرش واغتصاب ونماذج اضطهاد في مجتمعنا لكنها لاترقى لحالة الظاهرة العامة التي يكون سببها قيم المجتمع البحراني الدينية والاجتماعية، وأن المسؤول عنها ليس القيم الدينية والشرقية لمجتمعنا، بل أن مجموعة القيم الدينية والاجتماعية السوية هي ضمانة للتصحيح، وحفظ المجتمع رجالا ونساء من الضياع الفكري والإنساني والاجتماعي والسياسي، وأن المسؤول عن وجود حالات العنف والتحرش ونماذج من الاضطهاد هو النفوذ الغربي الثقافي في مجتمعنا، والسياسات الرسمية التي تفكك الأسرة وتضعف ارتباطها وتبدد موارد الأسرة المالية والعاطفية وتزلزل الاستقرار الداخلي للمجتمع، فهذه هي الأسباب الجوهرية. فلاننسى أن الذئب الذي أحرق المزرعة غير مؤهل للحديث عن الأسباب أو إيجاد الحلول لضحايا حريقه!

أصناف الشرائح المتفاعلة مع الحملة ولماذا؟

أما من تفاعل ودفع بالحملة الإعلامية المشبوهة ضد قيم المجتمع البحراني ودعا لكسر الخطوط الحمر فيها فهم أصناف، واعتقادي أن الحملة بالمقام الأول تقودها الاستخبارات الخليفية، أو أنها توجهها بطرق استخباراتية خبيثة، كما عملت في السابق قبل إقرار قانون الأسرة بشقه الجعفري، حيث سبقته حملة إعلامية رسمية وغير رسمية عن اضطهاد المرأة من قبل رجال الدين وأحكام الدين، والقسم الثاني الذي تفاعل مع الحملة هم ممن نفذت القيم الغربية لعقلهم الباطن وهم بالأحرى ضحايا النفوذ الثقافي الغربي الناعم، وقد حدث ذلك بفعل انخراطهم في برامج أكاديمية غربية أو برامج تدريب غربية في مجال حقوق الإنسان ، فضلا عن عيشهم في الغرب لسنوات ، هي كفيلة بتشتيت وإضعاف أواصر علاقاتهم الفكرية والمعنوية بمجتمعهم البحراني ومكوناته. القسم الآخر من المتفاعلين مع الحملة هم من البسطاء فكريا، من الذين يستقبلون الفكرة كما هي بلا تمحيص، فهم في الحقيقة يميلون هنا وهناك فكريا وعاطفيا حسب الضوضاء والغلبة المرحلية للأفكار المتصارعة .

دورنا لحماية مجتمعنا وإجهاض ولادة الجوكر

يمكن أن نطرح بدائل صحيحة لمعالجة قضايا الاعتداء على المرأة وفي نفس الوقت مقاومة المخطط الأمريكي والاستخباراتي الخليفي الذي يهدف لضرب أمن مجتمعنا في البحرين بالتزامن، ويجب أن لانسمح أن نقايض قيم ديننا ومجتمعنا السويّة بذريعة الوقوف مع قضايا المرأة، ومن أراد أن يضرب قيمنا الدينية والثقافية والاجتماعية في فوضى المشاكل يجب أن يكشف فقد يكون هو أو هي أحد أبناء الجوكر الأمريكي في البحرين، الذي يرتب صفوفه بصمت في ظل الهجمة القمعية الخليفية على قوى المجتمع الدينية والسياسية والثقافية.

ولكي نأخذ زمام المبادرة لحل مشاكل الأسرة والمرأة لابد من تحصين مجتمعنا عبر قيام الجهات الدينية والاجتماعية بنشر الثقافة الأسرية والإرشاد الأسري، وتدشين طرق آمنة وداخلية وموثوقة للتعامل مع الحالات الموثقة للاضطهاد والعنف والتحرش، وذلك لنزع ذريعة المغرضين والخبثاء ومن يحمل شعارات فصل الدين عن الحياة في فضاء الإنترنت، والقائلين بضرورة الحديث والعمل المنظم والممنهج والقيام بالحملات الإعلامية  العلنية لعلاج الظاهرة المزعومة ، وكذلك هناك ضرورة بنشر ثقافة التمحيص والتدقيق الصحفي والثقافي في مجتمعنا عبر مساجدنا ومؤسساتنا الدينية والاجتماعية ، و معرفة أساليب العمليات النفسية والحرب الناعمة و أدواتها واللاّعبين المحرّكين لها، وكشف خيوط اللعبة ومحركيها وغاياتها، وكذلك لابد من التناصح مع المتفاعلين الغافلين مع هذه الحملات بالمنطق والحكمة لكي لايكونوا أدوات من حيث لايشعرون لدى الجوكر الثقافي الأمريكي والبريطاني المدمّر، ولنأخذ العبرة من أحداث العراق الأخيرة عندما انبرت العديد من مؤسسات المجتمع المدني والحقوقي في العراق والمدعومة أمريكيا بالتدريب والمال للانخراط في التظاهرات الأخيرة، والتي تم تحريفها واستغلال المنظمات المدنية والحقوقية فيها لتكون الواجهة للمطالبة بإسقاط دور الدين ونفوذه في الحياة والمجتمع والسياسة، بل وتعدى ذلك للمطالبة بحل الحشد الشعبي.

نداء صادق للإخوة والرفاق

فهل ينجو بعض رفاق الأمس واليوم من بعض النشطاء المجتمعيين  والسياسيين والحقوقيين من فخ تحويلهم لأدوات ضمن مشروع الجوكر الأمريكي والبريطاني  الثقافي في البحرين؟!

ثقتنا بالله عالية وتعويلنا على رفاق الدرب مازال ماثلا، فلا تخذلونا! لتكن البوصلة هي الأهداف السياسية والوسائل هي العمل الجاد الذي لايتلاقي مع تحقيق أي من مصالح وأهداف أعداء الشعب في الداخل والخارج.

فلنتأمل .. أستودعكم الله.

بقلم: محمد البحراني

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى