العربية

النظام العالمي الحالي والعدالة المفقودة

يسود في الوعي الجمعي لدى الناس، الذين يعيشون في ظل أنظمة ديكتاتورية ظالمة يعشش فيها الفساد وترتع فيها الرذيلة، أن النظام الدولي ومؤسساته يشكل ملجأ آمناً لهم لحمايتهم من الجور والبغي الصادر عن حكامهم، لإنصافهم وإحقاق الحق في العديد من الجرائم الكبرى التي تحصل في بلادهم، وذلك لتعذّر وجود نظام قضائي مستقل موثوق به فيها، كما ويسوّق النظام العالمي نفسه أنه المرجع الأمين والعادل في الفصل بين النزاعات الناشئة بين الدول كافة.

العالم- مقالات وتحليلات

إن هذه النظرة المستحكمة عند الكثير من الناس والقائلة: أن المنظمات العالمية التابعة للنظام العالمي قادرة على إنصاف الناس والدول، هي رؤية ساذجة بسيطة غير مدركة لحقائق الأمور من علاقات سلطة وقوة، أو تنسيق وتعاون، أو تبعية واستعباد، تفرضها طبيعة التوزانات القائمة بين القوى الدولية التي أنشأت هذا النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

إن أول ما يلفت انتباه الباحث في هذا النظام العالمي القائم حالياً، هو فساد المنظومة القيمية التي تحكم سلوكه، حيث تُمجّد القوة، ويُحتقر الضعيف، ويُمنح القوي فيه حق الاعتراض على كل القرارات التي يعتقد أو يشك أنها تعارض مصالحه أو مصالح من يواليه من دول تدخل ضمن تحالفه.

فالعدالة دائماً مهانة ومذمومة والإنصاف محتقر ومغيّب والجور ممدوح ومحمود.

وللاستدلال على ذلك فلينظر المرء الى تجربة المسلمين والعرب مع الكيان الصهيوني الغاصب، وكيف أن مطلق مشروع يهدف الى إدانة معنوية له فقط، من غير الاقتصاص منه على جرائمه التي يرتكبها، تواجَه بصدّ قوي وفيتو أمريكي.

كما وأن القوي من الدول بموجب هذا النظام، يمكن أن يمارس سلطته على من يشاء من الدول حرباً عسكرية أو اقتصادية أو ناعمة أو نفسية … دون أن يجد من يردعه من الأقوياء الآخرين حفاظاً على التوازنات وتمتيناً للعلاقات فيما بينهم، وإن كانت على حساب مصالح الدول التابعة، التي تُنهب مواردها ويُدمر استقلالها وتُقتل شعوبها.

أما روح التعصب للعرق والدين واللغة والقومية … فحدّث ولا حرج، وقد قادت تلك الروح مشفوعة بحبّ التسلط أوروبا الى حربين عالميتين خلال قرن واحد، حصدت مئات الملايين من الأرواح بين قتيل وجريح، وقد هُدرت الموارد العالمية وما زالت على سلاح للإبادة العالمية يستخدم الذرة أو نواتها في صناعة قنابله وصواريخه لإهلاك الحرث والنسل.

تلك هي جزء من صورة النظام العالمي السائد اليوم، والتي نجدها حاضرة في جميع منظماته العالمية في الميادين السياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والأمنية والقضائية والحقوقية والتربوية

حيث أن سياساته وآليات عمله وقوانينه المعتمدة في منظماته العالمية شبيهة، الى حدّ كبير، بشريعة الغابة التي تراعي فيها عملية تطبيق القانون مصلحة القوي على حساب مصلحة الضعيف.

أما محاكمه الدولية فهي متطابقة الى حدّ كبير مع المحكمة التي أنشأها المجتمع الحيواني في قصيدة الطاعون للشاعر الفرنسي “لافونتين” فبرأت كل الأقوياء من الوحوش والكواسر وألقت بالتسبب بالمرض على الضعفاء من الحيوانات.

هذا هو واقع نظامنا العالمي الحالي، الذي تغلفه المدنية والتقدم التقني والصناعي، ويسكنه ويمرح فيه البغي والظلم والعدوان، وعلاقات الاستكبار والاستضعاف، وتُمجّد فيه القوة الغاشمة، والأفعال القبيحة الصادرة عن القوي وتستعبد فيه الأمم والشعوب، وتُنهب مواردها من قبل أمم وشعوب أخرى متعصبة لعرقها أو دينها أو لغتها أو … تملك القوة العسكرية والمال.

ومن أراد شق طريق السيادة والاستقلال من الدول التابعة تمّ صدّه بمقاومة شرسة من قبل الدول المتبوعة.

فأيّ عدالة تُرجى، وأيّ إنصاف يُطلب من نظام عالمي فاسد تهيمن عليه علاقات القوة والنفوذ.

وأي محاكم دولية فيه يستطيع المتخاصمون الركون إليها لتنصفهم، إذا كانت محكومة لتلك العلاقات.

إن الواجب اليوم على الأمم والشعوب الحرة، هو السعي الحثيث لإعادة بناء المنظومة القيمية لنظام عالمي جديد، لتتربع على رأسها قيم العدالة والإنصاف والرحمة، بعد أن أرهقت العالم قيم وسياسات نظامنا العالمي الحالي، التي تهيمن عليه أمريكا وحلفاؤها الغربيون فيعيثون في الدنيا فساداً ونهباً لخيرات الشعوب، وقتلاً وتضييقاً وخنقاً للشعوب الحرة التواقة الى التحرر من قيودهم.

الكاتب: علي حكمت شعيب- أستاذ جامعي

المصدر : قناة العالم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى